محمد جمال الدين القاسمي

99

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

طريق معروف في البلاغة . الجواب الثاني : إنّ السؤال ضربان : سؤال جدل ، وحقه أن يطابقه جوابه . لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه . وسؤال تعلّم وحق المعلّم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه - طلبه المريض أو لم يطلب . فلمّا كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال ، بيّن لهم الأمرين جميعا . إن قيل : كيف خصّ هؤلاء النفر دون غيرهم . . ؟ قيل : إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم ، لا على سبيل الحصر والاستيعاب ، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع . ولما بيّن تعالى وجه المصرف وفصّله هذا التفصيل الحسن الكامل ، أردفه بالإجمال فقال : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي : وكلّ ما فعلتموه من خير - إمّا مع هؤلاء المذكورين وإمّا مع غيرهم - حسبة للّه ، وطلبا لجزيل ثوابه ، وهربا من أليم عقابه ، فإن اللّه به عليم . والعليم مبالغة في كونه عالما ، يعني : لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فيجازيكم أحسن الجزاء عليه ، كما قال : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [ آل عمران : 195 ] وقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) كُتِبَ أي : فرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أي : قتال المتعرّضين لقتالكم ، كما قال : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [ البقرة : 190 ] ، المراد بقتالهم الجهاد فيهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوّتهم . قال بعض الحكماء : سيف الجهاد والقتال هو آية العزّ ، وبه مصّرت الأمصار ، ومدّنت المدن ، وانتشرت المبادئ والمذاهب ، وأيّدت الشرائع والقوانين ؛ وبه حمي الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر ، وهو الذي يحميه من طمع الطامعين في الحاضر ؛ وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال شمالا ، وخط الاستواء جنوبا ، وجدران الصين شرقا ، وجبال البيرنه غربا . . ! . قال : فيجب على المسلمين أن لا يتملّصوا من قول بعض الأوروبيين : إن الدين